الشريف المرتضى

89

الذخيرة في علم الكلام

فالجواب عنه : أن الإرادة انما وجبت ] بمصاحبتها لما يؤثر فيه ، ومصاحبتها لأول جزء منه إذا لم تكن المصاحبة للجميع كالخبر والأمر ، لجواز وقوعه على وجوه مختلفة ، فإذا اختص بأحدها ، وجب أن يكون ذلك لأمر يقارن . وليس كذلك العلم الواقع عن نظر ، لأن مع تقدم النظر لا يصح أن يقع الاعتقاد إلا علما ، ولا يصح أن يقع على وجه آخر بدلا من كونه علما ، والحال واحدة ، وجرى العلم في هذا الباب مجرى سائر المتولّدات في أنها لا يحتاج في وقوعها على وجه إلى مؤثر مصاحب ، بل المؤثر فيها يكون مقارنا للمسبّب ، لأن وجود السبب ، المسبّب في حكم الموجود ، ولهذا وجبت مصاحبة كون الفعل المحكم المبتدأ لما يؤثر فيه من العلم ، ولم يجب ذلك في المتولّد وإن كان محكما . وقد قيل في هذا أيضا : إنه غير ممتنع أن يقال : إن المؤثر في كون الاعتقاد الواقع عن النظر علما هو كون الناظر في تلك الحال ، التي يكون الاعتقاد فيها علما عالما بالدليل ، على الوجه الذي يدل عليه ، بشرط تقدم النظر . وليس يمتنع في بعض الأحكام ، أن يكون لها شرط متقدم عليها ، بدلالة أن فعل القبيح لا يستحق به الذم إلا بشرط تقدم كونه عالما وعاقلا ، أو في حكم العالم بالقبيح . وانما جعل المؤثر كونه عالما بالدليل بالشرط الذي ذكرناه ولم يسند إلى النظر المتقدم ، لأن الناظر لو خرج من كونه عالما بالدليل ، لشبهة دخلت عليه ، لم يقع ذلك الاعتقاد في الثاني علما . فان قيل : الفعل قد يحتاج إلى أمور كثيرة يقارن [ وجوده ] « 1 » كالمحل والبينة فيما يحتاج إلى بينة من علم وحياة وقدرة ، والعلم يحتاج أيضا إلى الحياة في حال وجوده ، فألّا احتاج الفعل إلى القدرة وكانت مصاحبة له ؟

--> ( 1 ) الزيادة من م .